محمد الأمين الأرمي العلوي
10
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن
جبرائيل عليه السلام ، فصاح بهم صيحة واحدة ، فماتوا عن آخرهم ، فذلك قوله تعالى : وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ ؛ أي : على قوم حبيب النجار ، وهم أهل أنطاكية . مِنْ بَعْدِهِ ؛ أي : من بعد قتلهم له ، أو من بعد رفع اللّه له إلى السماوات على الاختلاف السابق . مِنْ جُنْدٍ وعسكر مِنَ السَّماءِ ولم نرسل عليهم جندا من الأرض ، لإهلاكهم وللانتقام منهم ؛ أي : لم نحتج إلى إرسال جنود من السماء لإهلاكهم ، كما وقع ذلك للنبي صلى اللّه عليه وسلم يوم بدر ، من إرسال الملائكة لنصرته وحرب أعدائه ، بل كفينا أمرهم بصيحة ملك . وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ ؛ أي : وما صح واستقام في قضائنا وحكمتنا أن ننزل لإهلاك قومه جندا من السماء ، لسبق قضائنا وقدرنا ، بأن إهلاكهم بالصيحة لا بإنزال الجند ، فإنا جعلنا لكل شيء سببا يخصه ، حيث أهلكنا بعض الأمم بالحاصب ، وبعضهم بالصيحة ، وبعضهم بالخسف ، وبعضهم بالإغراق ، وجعلنا إنزال الجند من السماء من خصائصك في الانتصار من قومك . وفي الآية : استحقار لأهل أنطاكية ولإهلاكهم ، حيث اكتفى في استئصالهم بما يتوسل به إلى زجر ، نحو الطيور والوحوش ، من صيحة عبد واحد مأمور ، وإيماء إلى تفخيم شأن الرسول صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنه إذا كان أدنى صيحة ملك واحد ، كافيا في إهلاك جماعة كثيرة ، ظهر أن إنزال الجنود من السماء يوم بدر والخندق لم يكن إلا تعظيما لشأنه ، وإجلالا لقدره ، لا لاحتياج الملائكة إلى المظاهرة والمعاونة . فإن قيل : كما لم ينزل عليهم جندا من السماء ، لم يرسل إليهم جندا من الأرض أيضا ، فما فائدة قوله : مِنَ السَّماءِ ؟ فالجواب : أنه ليس للاحتراز ، بل لبيان أن النازل عليهم من السماء لم يكن إلا صيحة واحدة أهلكتهم بأسرهم ؛ أي : ليسوا بأحقّاء بأن ننزل لإهلاكهم جندا من السماء ، بل أهلكناهم بصيحة واحدة ، كما يفيده قوله : إِنْ كانَتْ ؛ أي : ما كانت الأخذة أو العقوبة على أهل أنطاكية إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً صاح بها جبرائيل ، فأهلكهم قال المفسرون : أخذ جبرائيل بعضادتي باب المدينة ، ثم صاح بهم صيحة ، فإذا هم ميتون لا يسمع لهم حسّ ، كالنار إذا انطفأت ، وهو معنى قوله :